تطفو على السطح بين الحين والآخر نقاشات حادة حول وضع اللغة العربية الفصحى في مواجهة اللهجات العامية المنتشرة. وغالباً ما تتسم هذه النقاشات بنبرة قلقة تخشى على مستقبل الفصحى، أو بتطرف ينظر إلى العامية نظرة ازدراء، وهو ما يجانب الصواب اللغوي والتاريخي.

في الواقع اللغوي الحي، لا توجد حرب إبادة متبادلة بين الفصحى واللهجات، بل يوجد تكامل وظيفي يخدم حاجة الإنسان اليومية والتعبيرية. فاللغة الفصحى هي الوعاء الجامع للتراث والفكر والعلم والهوية الكبرى، بينما تؤدي العامية وظيفتها كأداة تواصل عفوي في الحياة اليومية.

تاريخياً، عاشت اللغات الحية دائماً مستويات متباينة تلبي حاجات متطلبات المتحدثين بها. والخطأ يكمن في محاولة إلغاء أحد المستوى أو تحويل النقاش إلى صراع وهمي يستهلك الجهود الفكرية دون طائل.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود العامية بحد ذاتها، بل في تراجع حضور الفصحى في مجالات القراءة والبحث والكتابة المعاصرة. ومن هنا فإن تقوية صلة الناشئة بالفصحى يجب أن تتم عبر حببها وتيسير تعلمها لا عبر التنفير والقواعد الجافة.

حين تُدرّس الفصحى باعتبارها لغة حياة وتفكير وإبداع وليست مجرد نصوص متحفية صماء، فإنها تستعيد ألقها الطبيعي في وجدان المتحدثين بها. إنها لغة قادرة على استيعاب العصر وتطوير أدواتها باستمرار دون أن تفقد أصالتها.

وخلاصة القول إن التكامل الواعي بين فصاحة المعيار ومرونة الاستعمال اليومي هو الضمانة الأكيدة لحيوية لغتنا واستمرارها ككائن حي نابض بالفكر والمعنى عبر الزمن.